11 المهرُ الغالي


المهرُ الغالي

عقدَ الشّعرُ قِرانه على ابنة النّثر بعد قصة حبّ عنيفة...
فتنازلَ عن ضيعة الأوزانِ والبحورِ مهرًا لحبيبته.

أشكالٌ هندسيّة

كانت تمضي...
رسمت على الدربِ مستقيمًا.
ذاتَ مساءٍ اعتنقت عقيدةَ الشّارعِ، انكمش المستقيمُ، أعادت خُطاها الرسمَ، فشكّلت شبهَ مُنحرف.

حب الوطن 

قالوا لهُ في الدّرسِ أنّ الوطنَ حبّ شخصٍ! 
فأمضى حياتهُ يصرخُ عاشَ الـ.. عاشَ...

كان يموتُ معَ كلّ صرخةٍ ليعيشَ الوطن.


حكاية لم تكتمل 

أمَرَ شهريارُ الخدَمَ أن يُطفئُوا الأضوَاءَ
وجهُ شهرزاد كان منيرًا
والسّردُ من ثغرِها أسكَرَ الملك حتّى ثمِل
لم تكتمل الحكاية، ضاعَت ليلتُها حين ابتدأ عزفُ الشّخير قبل صياح الدّيك.


تذكرة جهاز

على المقهى، كان جالسًا مع فنجانه.
أمامه مرت سيقان تتبختر في دلال، فزاغ البصر وتتبع الخطوات...
أعاد بصره بعد سياحة ساهية، ليقرأ على شاشة المحمول: أستغفر الله..



رشيد أمديون

10 بطالة

أعيد نشرها بعد أن شاركت بها في إحدى المسابقات.

    كلّ الأرصفةِ المُهترئةِ تعرفني... وكراسي المقهى الشّعبيِّ، الذي ينفثُ دخانَ التّبغِ والحشيشِ..، وأشياءٍ أخرى أتعبت أنفاسنا إلى حدِّ السّآمة. تعرفني الوجوهُ المألوفة، فاستحالت صورتي في الأعينِ إلى جزءٍ من تفاصيلِ هذا المقهى العتيق. أمْلأُ كلّ يومٍ كرسيًا بجسدي النحيلِ، وأنتظرُ الغيبَ في اصطبارٍ مُتكلّف.
الأزقة الضيقة المزدحمة بالعابرين تعرفني، والحارات الممتلئة بضجيج أطفالٍ يلعبونَ في مرحٍ قبل أن تبتلع أحلامهم البريئة وحشية المستقبل الذي يترصدهم من وراءِ حاراتهم المنهوكة، هناك على شارعٍ ببقايا الإسفلتِ على أرضه، بحفرهِ المُمتلئةِ بماءِ المطر، هناك يقفُ لهم كافرَ المَلامحِ، عبوسًا قمطريرًا.
كلاب الشّارعِ المتشردة بنباحها الشبيه بثرثرة فارغة في هواء المكان، تشمئزّ حين تراني جالسًا... أو واقفًا...، وتتعمّدُ رفع رجلها فترسلُ بولها قريبا منّي. تعبّر عن ضجرٍ واستياء، تسقي عمودَ الكهرباءِ المعطّل برشةٍ، ثمّ تمضي بزهوّ مفتعل، مخلّفة وراءها عمودَ الإنارة الميّت، الذي لم ينرْ إلا في فترةِ انتخابات. أذكر كيف أنار... ثم انطفأ!.

القهوةُ السّوداء على الطاولة بردت؛ وكانت تدّخرُ دفئها في فنجانٍ يَضُمّها بضمةِ حبّ تكلّل بالوفاء، كأنها تحمي شيئًا ثمينًا، وتبدي محاولةً فاشلةً لتُحافظَ عليهِ عسى أنْ يَمتدَّ إلى زمنٍ أطول كي يمنحها الإغراء، فلا قيمة لقهوةٍ فقدت الدّفءَ أو انْتُزِعَ منها في محيط ٍ تشوبهُ كلّ المؤثرات المفجعة. الجوُّ بسيوفه الشائكةِ يتربص بها. كان أكثر منها قوةً وأشدّ بأسًا... فاستسلمت للبرودةِ استسلامَ فتاةٍ تحت ضغطِ مغتصبها بعد مقاومةٍ عنيفة.

اعتدتُ أنْ أتصوّر المشهدَ بعد أن أعودَ بذهني الشّاردِ من سَفرِ التأمّل، ساحبًا التّفكيرَ علّني أحظى بما يبعثُ التّـفاؤلَ ويزيلُ أثر الحنقِ القاتل من باحة نفسي المتهالكة في زمن يُمارسُ سطوته كأنّه احْتُـقنَ بالجبروت، أو أصابهُ مسّ من جنون.
نادلُ المقهى بعينٍ شرزةٍ تختلسُ النّظرَ إليّ، يدركُـ أنّي سأطلبُ منهُ تسخينَ نصفِ الفنجان المتبقي من هذا السّوادِ الذي أشاركهُُُ اللّون والمرارةَ المقيتة.
يستجيبُ مُصدرًا صوتًا لا أسمعُ منه غير غمغمةٍ ما عُدتُ أهتمّ بعُنفها ولا بسوطِ جلادِها المتجبّر.
والجريدة المحمولة تتمنى متى أعـتقُها، متى أمنحها الرحمة، لتخلدَ إلى الرّاحة، أو حتّى لتصيرَ ورقـًا يلفّ فيها بائعُ "الفولِ السودانيّ" بضاعتهُ لزبنائه..
صارت تشبهُ خِرقةً باليّةً بعدما استعرتُهَا من زميلِ محنةِ الدّرب. وقد فَضَّت الأيديّ عُذريّتها وغادر بهاؤُها الذي كانت تتمتّعُ به قبل أن تمنحَ نفسها لأوّل قارِئ... ها هي في مستقرّها الأخير بعد أن تنقلت بين القُرّاءِ وجاء بها قدرهَا التعيس عندي...
آهٍ.. كم تتعذّبُ هذه الصّحِيفة بين يديّ وأنا على إيقاعِ الارتجاف، كأنّني مستغرقٌ في رقصةِ "درويش" ولكن بلا نشوةٍ تُدرك... يعزفُ البردُ ما يُهيّجُ حركةَ انتفاضتي، يصيبُ ذاتي بتعبٍ زمهريريٍّ يحرسُهُ جوٌّ شتويّ مكفهرّ الوجهِ غابت عنهُ شمسٌ حنونة تمنيتُها أن تسطعَ لتهدِئَ رعدتي، لتهب النورَ، لتأتي بالعمر الباقي بهيًا...
ترتجُّ الجريدةُ في رحلةِ عذابٍ مرير تذوقه مني، وأنا أترنّحُ، مقلّباً صفحاتها الذابلة باحثًا عن إعلان لوظيفة.

18 امرأة وأنثى


كانت الضّاوية مشمرة عن ساعديها تحلبُ بقرتها الوحيدة وسط الإسطبل المبني بالطين. بينما كان عزّوز في الخارج يفترش التّبن، سابحا في اختلاجات نفسه، مستمتعا بنشوة دخان (السبسيّ)(1)، بعدما تعب من اللّف والدوران حاملا يديه خلف ظهره حيث كان يتجول بجوار البيت والزريبة...
استلقى على ظهره فوق كومة التّبن مانحًا لجسده الراحة. تبسّم ملْء شِدقيْه...فجمع المطويّ (2)، ثم أخفاه في جيب سرواله الفضفاض. تذكّر أن صديقه علال رَكّبَ البارحة على سطح منزله صحنا هوائيًا يأتي بالعجائب والجمال.
استدعاه عشية أمسٍ وأراه كيف ترقص سوسو!!.
عدل طاقيته البيضاء على رأسه الأشيب، ثم جمع كفيه الواسعتين خلفَ قفاه مدّ رجليه، وردّد في نفسه:
- سيستمتع علال، ما أسعده!!
فأرخى العنان لناظريه...

لمحَ قُبالته قدّا مياسا. أنثى ذات شعر متهدّل بلونه الفحميّ مقبلة نحوه... تتغنّجُ بقوام ممشوق. فرك عزوز عينيه بحدّة ليزيل الشك باليقين، فجحظتا...
دنت منه وألقت بجسدها البضّ بين أحضانه، فترنح فوق كومة التبن. طوقته بيديها العاريتين، حتى صار وجهُها المتلألئ في وجهه الأسمر المتجعّد، ثم سحبت يدها اليمنى...
أحس بدغدغة تحت ذراعه اليسرى، فاهتز مرسلا قهقهات صاح على إثرها:
- لا لا مشي تمّاك اسوسو..(3)
فشعر بوكزة عنيفة تخترق أضلاعه، كادت تكسِرُها..  
تألّم ففتح عينيه على وجه الضاوية في قمة الغليان تصيح:
- الله يْلعنْ لِّي ما يحشم يا ولد الحرام.(4)
انتهت
رشيد أمديون
30/04/2013
........................................

1- 2- هو عود طويل  كالغليون يستخدم لتدخين الكيف
3- لا ليس في هذا المكان يا سوسو...
4- لعنة الله على من لا يستحي...

10 عُمرٌ


أنا سار

كطيفٍ عابرٍ

أمضي بين الأوقات...

وسأختفي

إذا حدّ خطو الزّمانِ في الإسراع

أنالُ منه التّلاشي 

وبهذا سأكتفي
رشيد أمديون

20 جاور روحي


تَمْتَحُ روحي من صمتِها

أبهى العبرْ

لا يجدي القولُ

إنْ أفصَحت عُـيونها والنّظرْ

سافرةَ الوَجه،

سُبُحات جمالها

لؤلؤٌ ودُررْ

رَعى اللهُ الحُسنَ

جاورَ رُوحي

وفي القلبِ كان الأثرْ

رشيد أمديون

20 اخترتَ الغياب


في بهو الحضور كنتَ غائـبًا. 
وكنتُ أبحثُ عنكَ في تفاصيلٍ دقيقة، لا يراها غيري، أو أنها تُرى لي وحدي في ملامح الجالسين، والواقفين. 
يزدحمون في تباهٍ. 
يحسبُ كلّ واحدٍ منهم أنّه صَنعَ مجدًا، وأنّ البَهو أُقِـيمَ على أفكاره... 
«تَحسبهم جميعًا وقلوبُهم شتّى». 
ما كانت وجوههم ترتاحُ لها الرّوح، كانوا جامدين باردين، حتى كلامهم لم يكن له ذوق، ولا يبني أملا، لا يُؤسّس غير الوعود برتابة مملّة حدّ التقيؤ، فعلمت حينها لمَ لم تحضر!! 
فلم يعد البهو طاهرًا ولا نظيفا...

رشيد أمديون

10 اعترافات


أعترفُ بالجُنونِ

بين أهدابِ الحُروفِ 

إنْ استَحالَ القلبُ اسمًا 

يَجرّهُ الحرفُ جرّا 

*  *  *  *  *  *

أعترفُ بمتعةِ الاسْتِـباقِ 

إلى كهْفِ المَعاني

إنْ غسَلَ الصّمتُ بِقاعَ الكلامِ 

وعلى الحَناجِرِ اسْـتقرََّ 

*  *  *  *  *  *

أعترفُ بألَمٍ، بأنيابٍ

تنهَشُ الفؤادَ

كلّما تذكارٌ بوجهٍ

على أفقي أطلََّ 

*  *  *  *  *  *

أعترفُ برُوحي بين جانِبيّ

تحملُ أثقالا فوقَ أثقالٍ

وعلى الدّربِ الطويلِ

سيزيفُ، يَحمِلُ حمْلا

*  *  *  *  *  *

أعترفُ بأغنيةِ الشّرُودِ

وعزفِ المُروقِ 

على مقامِ البِعادِ

إنْ صَاحِبي عَـنّي يومًا تخلّى 

*  *  *  *  *  *

أعترفُ بأنغَامِ الحنَانِ

وربيعِ الأمَاني 

وهمْسٍ يُداعبُ صمتَ اللّيالِي

لمن أقامَنِي في مكانَةٍ حُسْنَى


 
Join me on Facebook Follow me on Twitter Find me on Delicious Email me Subscribe to RSS Email me Email me Email me Email me